المهلـــــــوســــــون الـــــــجدد

السبت، 3 ديسمبر 2011

«خطوط الفراشات» بحثا عن مجاهل الكينونة



«خطوط الفراشات»
بحثا عن مجاهل الكينونة


    عبد السلام دخان

تؤكد مجموعة" خطوط الفراشات"  العمل الإبداعي الأول للشاعر محمد العناز انتمائها لتربة الشعر المغربي على مستوى مكوناتها التعبيرية، وإبدالاتها الدلالية، وتشكيلاتها الكاليغرافية. و قد صدرت «خطوط الفراشات»  في نسختها الأولى عن منشوراتLA CROISÉE DES CHEMINS  وهي المجموعة الشعرية الفائزة بجائزة القناة الثانية للإبداع الأدبي 2008/2009. وتقع في 94 صفحة، أنجز الفنان  المتميز عبد الخالق قرمادي لوحتها الفاتنة في مزاوجة استثنائية بين السفر الإشراقي للفراشات ، وبين الأبعاد الإيحائية لخطوط سفرها، وما تتضمنه من طاقة تأويلية وحس جمالي.
 وتضم هذه المجموعة القصائد التالية: مِرْآة، عِشْقْ، رَغْبَة، خُطُوطُ الفَرَاشَات، القَصْرُ الكَبِير، رَقْصَةُ الغِيَاب، تَطَّفْت، دُرُوبُ دُخَان، مُكَاشَفَة، سَيِّدُ الْمَعْنَى. وترسم " خطوط الفراشات" عوالمها ومعالمها عبر تشكيل دلالي يراهن على الكثافة الرمزية للأماكن والأعلام لصياغة عمل إبداعي يلامس هشاشة الوجود الإنساني، ويعيد اكتشاف الذات المثقلة  بالإحساس التراجيدي في تعالقاتها  بالزمان والمكان، مما يسمح بالانتقال من الدلالة المجازية إلى الدلالة الحقيقية التي يخلقها النص الشعري عبر إحداث تغيير جذري في الموقف الوجداني انطلاقا من تفاعل الكينونة مع الوجود، ورصد تحولاته واختلالاته، وهو ما يفسر توسل الشاعر محمد العناز بالاستعارات القريبة بوصفها الأداة الأنسب لوحدة الذات الشاعرة مع العالم، وكأنه أنصت لنصيحة أرسطو لخلق ألفة بين الذات والوجود.
«خطوط الفراشات» ذات بعد رمزي لأنها تقوم على محور استبدالي للغة عبر الاستعارة التي تتغيا الإقناع مما يعلل هيمنة الضمير، وحجاجية المقول الشعري المتسم بشحنة عاطفية تأثيرية نابعة من انشطار الكينونة بين عالم الواقع والأخيلة المضللة. وساهمت رهافة الشاعر في اقتناص مشاهد مألوفة محايثة للتجربة الإنسانية، وفي خلق تداخل قوي بين الصور الحسية والصور المحسوسة مع الحرص على التوظيف الشعري للإيحاءات من أجل إدماج الذات في فضاء أرحب يتجاوز الجغرافيات الضيقة، وتبديد قلقها في التعايش مع التحولات التي يرصدها صاحب «رقصة الغياب» عبر توظيف المشاهد الواقعية، والابتعاد عن الغموض والتكلف باستخدام تقنيات كتابية مثل الحدث (وَوَحْدَهَا الْجُثَثُ الْعَائِمَةُ وَسَطَ الْيَمّ ِتكَسِّرُ سَطْوَةَ الزُّرْقَةِ..)، والقوى الفاعلة (البحارة، الجد، الفتاة الجبلية..)، ولغة القص (لاَ عِلْم لِي بِتَارِيخِ الأَعْلاَمِ وَالْعُشَّاقِ وَبِأَسْمَاءِ السَّاحَاتِ/ وَحِيداً يَبْتَسِمُ لِلسُّفُنِ الْغَرِيبَةِ..)،وفن السيرة (عَبَرْتُ عَبْرَ دُرُوبِ دُخَان مُزَوَّداً بِالْيَأْسِ..)، مع الاعتماد على تنويعات بصرية بموازاة تفاعل الصور الشعرية مع العلائق النصية التي تخلق السيرورة الدلالية لخطوط الفراشات بوصفها تجسيدا لتحقق الكيان الشعري. وقد خص الشاعر للمكان مساحات واسعة لتحريك النص من الداخل بخرق خطية الزمن المرجعي، والانفتاح على الزمن الدائري، وعلى المحكي الشعري الذي ساهم في تأويل العالم شعرياً. إن السعي إلى خلق أفق دلالي وجمالي ممتد يستمد مشروعيته من طبيعة الوعي الشعري لمحمد العناز وللإستراتيجية التي نهجها في عمله المتسم بعناصره الأسلوبية وطاقته البلاغية، وحركيته التي جعلت من الإنسان المتمرد مركز العالم كما هو الحال في قصيدة «سيد المعنى»، وفي الوقت نفسه، فالحدس الزمني حقق في مجموعة «خطوط الفراشات» مزية الإمتاع والتواصل، وأعاد إنتاج معرفة تغير الأصل من أجل تحقق الوجود على نحو شعري، وهو ما يبرر عنايته الفائقة بالعناوين التي تتشكل من تسميات مفردة(مرآة،عشق، رغبة..)، وتسميات مركبة مكونة من مضاف ومضاف إليه (خُطُوطُ الفَرَاشَات، رَقْصَةُ الغِيَاب)، ليجعلها عتبات لدينامية العمل الإبداعي الذي يعكس تعالق الذات بالمكان المرجع أو الواقع. ولعل  لهيمنة المكان «بيت الأشياء» على حد تعبير غاستون باشلار أثره في المغامرة الأنطلوجية انطلاقاً من المكان الأمومي (قصيدة تطفت)، والمكان المجازي (قصيدة دروب دخان)، والمكان الهندسي (قصيدة القصر الكبير). وتتفاعل هذه الأمكنة مع القيم التي تفصح عنها «خطوط الفراشات» المتسمة بجرسها الموسيقي القوي، وبأشكال إيقاعية مثل التوازي (الأفقي والعمودي، وتوازي الكلمة والجمل)، والتكرار فضلا عن الإشباع، والتسكين، والحذف، والتقديم والتأخير، وتداخل الصوامت والصوائت. وستصبح المجموعة الشعرية عبر التخييل الشعري مفارقة للمكان المرجعي ومحايثة للمكان الموازي، مكان القصيدة الممتد والفسيح ، وتلك هي وظيفة الشعر.

الورد بين الدلالة النفسية والإبداعية قراءة في ديوان" الوردة التي..لا أسميها" (1) للشاعرة التونسية فاطمة بن محمود



الورد بين الدلالة النفسية والإبداعية
قراءة في ديوان" الوردة التي..لا أسميها" (1) للشاعرة التونسية فاطمة بن محمود

حميد ركاطة °

تحاول الشاعرة فاطمة بن محمود من خلال ديوانها " الوردة التي لا اسميها  الانفتاح على أفق القصيدة الجديدة الضامرة الحمالة لدلالات واحتمالات متعددة قصائد أشبه  "بالهايكو اليابانية " في شذريتها ما جعلها اختيارا استراتيجيا من خلاله تعمل على تقديم مواقفها ومنظورها شعريا للقارئ ، وهي مواقف  توزعت بين " الشوق والبوح  وصورة الأنثى  وتمثل جسدها المستباح دوما من خلال الارتكاز على  تجليات  الوردة  بشكل إستعاري  للدلالة على حالات نفسية تترجم سواء من خلال الواقع أو عبر الحديث عن الجنس والطفولة  والتحولات السياسية بتونس .
فالقصائد وظفت فيها تقنيات كتابة متنوعة ونحتت من الأجناس الأدبية الأخرى(القصة ) وباقي الفنون التعبيرية ( التشكيل / الصورة ..) . كما رصد صورة الوطن الجريح  والتحولات السياسية في تونس والموقف من الديمقراطية والتوق إلى الحرية  والنبش في تفاصيل الحياة اليومية سواء العامة أو الخاصة من خلال تقديم صورة المرأة المنكسرة أو العاشقة وصورة الرجل ..
فالنظر إلى الأنوثة ارتكزت على دلالة الوردة كجسد مستباح  بكثير من الاحتجاج والتوق إلى التحرر من قيود  مختلفة ( الذكورة ، الدين ، الواقع ..) إلى حد  الانسلاخ عن الذات ما جعل القصائد تنفتح على أفاق رحبة أكثر عمقا من خلال نبذ الخيانة والجنون والحرب .
وقد احتلت الكتابة الحيز الأوفر داخل هذا الديوان باعتبارها هاجسا  وهما يوميا يترجم نظرة الشاعرة وقناعتها على أرض الواقع فالبحث عن الحرية كان مرتكزا واختيارا استراتيجيا عملت من خلال تعقبها البحث عن بدائل ممكنة لضمان الحياة الكريمة ، كما لمسنا كتابة ساخرة في البعض منها .
وإذا كانت تيمات هذا الديوان قد تنوعت واختلفت إلى حد تشكيل باقة شعرية لها نكهتها ظلت الوردة في تعدد مفاهيمها وتوظيفها داخل سياقات مختلفة هي المرتكز في كل تصور لأنها أحد ملامح ( الأنا والآخر / والمكان / والإحساس / والحرية / والموت ، والجنون / والحب / والرغبة / والقصيدة / والوطن ..) من خلال رمزيتها شيدت عالما حافلا بالتمثلات  العميقة المترجمة لقناعات متعددة وكرسيا للإعتراف والبوح بحقيقة المشاعر . ووطن محلوم  به على الدوام وخطابا مهيمنا لتصريف مكنونات الذات الكاتبة وتمثلاتها وتساؤلاتها  ومشاعرها وإسقاطاتها  ومواقفها النابذة للعنف والكراهية والحرب .
إنها قصائد حولت الذات إلى بؤرة تفاعلات نفسية وجسرا للعبور نحو الحرية في أبهى مفاهيمها ودلالتها النبيلة .
1) دلالات الوردة وتمثلاتها
شكلت الوردة من خلال الديوان بدلالتها مفاهيم نحثت من كل المفاهيم والأشياء فهي لم تقتصر على مفهوم واحد بل أضحت سارية للكتابة والتعبير عن الأشياء  أو إبداء المواقف الإنسانية وهي محطة للعودة إلى الطفولة كلما اقترن وجودها بالإحساس للماضي  لتضحى  كما هو الأمر في قصيدة " لوم" ص 10 تقول الشاعرة "
 أتحول إلى طفل
 زائغ البصر
 تائه
(.. ) ويهون أمري
القصيدة في حضرتها ..
يرتبك"
فالوردة هي القصيدة المتمنعة التي تأبى التفتح في حضرة الكتابة يتحول  أمنية تتوق لتحققها في ظل شروط الذات الكاتبة وحالتها النفسية الكئيبة لحظة الكتابة تعاند بقوة إلى درجة الاستحالة  تقول "
لو تزورني الوردة
الآن
تبث في الورقة
الحياة
وتصوغ خاتمة أخرى
للقصيدة " ص 11
لقد شكلت الوردة كرسيا للإعتراف من خلاله تبوح الشاعرة بحقيقة مشاعرها المتضاربة من حب وكراهية تنبذها حينا أو تشيح عنها تنبذها متزلفة كاذبة وهي تضمر في القلب  رغبة جامحة لها مبرراتها كذلك ، تقول "
لم يعد لك مأوى
في قلبي
لم تعودي الروح
لقصائدي
آه ..كم أجيد الكذب " ص 14
فالوردة عاملا أساسيا ومحركا لكل المقاصد داخل الديوان  فهي تنجلي في النوم والصحو وتؤثث تفاصيل الحياة اليومية سواء في إشراقها المنفلت أو تقلباتها المنغصة على الروح والذات تتقمص كل الصور والحالات لتشكل بانعكاساتها مرآة تعكس الوجه الآخر المشكل لخطاب الروح والمناجاة الداخلية تضحى الوردة هي الأخرى مرآة صاحبتها تقول "
تبتسم له كل الورود
إلا وردة..لي
تشرق إذ أطل عليها
وتنتشي إذ تلامسها أيدي" ص 32
هذا الإحساس تترجمه الدوافع الكامنة في الأعماق وانعكاساتها الداخلية بتحول ذات الشاعرة إلى بؤرة أو نقطة  عبور لقياس درجة التفاعل أو التأطير الدقيق . وتتناص النصوص في كثافتها  مع الشذرة في حكمتها وعمقها ودلالتها وتأويلاتها تكثيف  نابع من الحاجة إلى إبراز الحيف الذي يطال ذات الأنثى ويختزلها بشكل سافر ، ونص تعري ص  32 يعكس بعمقه وتأمله هذا الطرح والشاعرة تتساءل بحسرة واندهاش على هذا المآل لتبرز سخرية قاتمة وتعلن رفضا ضمنيا للمتمثلات والإسقاطات المترسبة لدى الذكور تساؤل بقدر ما يكشف عن الوجه البغيض للنظرة الدونية للمرأة والجسد وتفرغهما من إنسانيتهما ومكانتهما الاجتماعية وتختزلهما بشكل وظيفي جنسي محض دون التوغل  نحو العمق الصافي تقول "
كم يجب على المرأة
أن تتعرى
لتكشف عن
قلبها ..البض ؟"
وتتوالى الاحتجاجات من خلال نص " حب صامت " ص 33 ليتأكد  ذلك الرفض وتلك المشاعر السلبية  تجاه الأنوثة وتجاهل مشاعرها الفياضة دون القدرة على اختراق حاجز الصمت نحو الجوهر ، فالمبادرة الذكورية تعرف نكوصا ورتابة سيؤججها الانتظار والزمن الرهيب  موقف يتكرر في نص رائحة " ص 36 وهما نصان يقدمان بشكل فني زيف المظهر الخادع  والصور المقنعة التي لا تبرز جوهر الروح وتخفي وراءها مقتا كبيرا .
وتأخذ الوردة في نص " جريح الوردة " ص 49  دلالة المرأة بحيث تبرز لوعة العاشق الذي سيعاني من تبعات الغرام بعد الرحيل ، رحيل سيخلق جرحا بليغا في القلب بعد الوقوع في الحب . وهنا تتم الإشارة ضمنيا إلى العلاقات الخاصة بتحول الوردة لامرأة ما ترصدت  رجلا عن قصد  وأوقعته في شباكها ، هذه القصدية تحول الرجل إلى ضحية وتعبر عن دهاء المرأة واستعمالها لأسلحة الجسد والإغراء  في علاقاتها الإنسانية والحميمة فجريح الوردة يقدم صورة الرجل كضحية مؤامرة حب ، في حين نلمس تجسيد مشهد رومانسي من خلال نص " زاوية حب " ص 50 والشاعرة ترصد تفاصيل واقعة تحفها ملائكة الحب والمشاعر الفياضة والرغبة الجامحة من خلال جلسة يبدد ظلام زمنها فانوس مكسور ، ولعل إبراز سلوكهما وجموحهما الغرامي وهو يميل كل لحظة على عنق حبيبته بقدر ما يبرز توقا ورغبة سوف تصل إلى حدود الانصهار الفعلي دون وقوع حدث طارئ سيتسبب في كسر الفانوس لتعم ظلمة ستحررهما من كل العيون للانغماس في شهد الحب ، تقول الشاعرة "
"(..) بقعة
ظلام داكنة
يميل العاشق على عنق حبيبته
ترتعش الوردة
تكاد تذوب من
حرارة ..الفتى
والقلبان على حافة الانتشاء
طوبى للحجارة النبيلة
أصابت عين الفانوس
شكرا ..للأطفال الأشقياء " ص 50
وتتحول الوردة إلي عيني الشاعرة  المطلتين على الخارج والمشرئبتين  نحو الجيران تستطلعان مكونات الفضاء الخارجي بكل مودة وفضول تظلان متفتحتين عابقتين نظرتين في عيني الآخر . وهو شعور ينعكس على روحها وذاتها ونظرتها إليهم بكل حب ولطف فكلما توفر الاستعداد للانفتاح على الآخر برز الدافع تقول الشاعرة في نص " تعارف " ص 18
" وتظل أزهار
متفتحة
بكل ود
آه ..ما ألطف
 جيراني الجدد "
إن الحكم هنا نابع عن إسقاط للشعور الداخلي وللدفء الذي نحف به الآخر انطلاقا  من استعدادنا النفسي  وحضور القابلية للانفتاح الايجابي على الآخر ، شعور يغيب  عادة داخل المدن أو عند بعض الجيران المتقوقعين على أنفسهم بحكم تقاليد المدن وانعزال ساكنتها المتقاربين جدا في السكن والمتباعدين  اجتماعيا .
وستتناص قصيدة تعارف مع قصيدة " زيارة " ص 29  في مفهوم الوظيفة التفاعلية للورد وأثرها على الذات والمحيط فإذا كان النص الأول تتسلق فيه الأغصان النافذة للإطلالة  على الجيران فإنها في هذه القصيدة تتسلق الأغصان  نافذة الشاعرة للإطلالة عليها وهي تستدرجها لمعانقة يدها تقول "
ما أحلى هذه الوردة
التي تستدرج لمستي
وتمد أوراقها
لمعانقة ...يدي "
2) وردة للكتابة والانفتاح الأجناسي
نلمس نزوحا نحو التنويع الأسلوبي من خلال الانفتاح و محاولة اختراق أجناس تعبيرية أخرى فالقصيدة لا تقتصر على الصورة الشعرية ومكونات اللغة بلاغيا بقدر ما تنزع نحو توظيف متماس أحيانا وأخرى يتداخل مع أجناس تعبيرية أخرى كالقصة القصيرة جدا ، الشذرة المليئة بالتأمل والعمق والكثافة بالإضافة إلى التشكيل خصوصا اللوحة التي تضحى منطلقا لتشييد عوالم مدهشة  .
فالقصيدة تتحدد معالمها عند فاطمة بن محمود من خلال المزج بين مكونات فنية وإبداعية متعددة مثلا في قصيدة " في المرسم " ص 51 نلمس هذا الطرح من خلال الارتكاز على اللوحة التي تؤثثها زهرة رسمت للتو وسيبرز تسريع وثيرة الحدث من خلال تدخل عنصر خارجي حي " فراشة "  ستحط على اللوحة ما سيخلف فكرة رسمها وهو أمر سيستحيل  لكن بالتدخل العنيف والمفاجئ ستستحضر ضمن فضاء اللوحة بالقوة كجثة ، تقول الشاعرة "
أراد لأن يرسم فراشة
فانطبعت على اللوحة
جثة
وطارت ..بهجتها " ص 51
إن الإحالة على اللجوء إلى العنف والقتل والحرمان من الحياة لإضفاء حياة زائفة على الأشياء الجامدة يفقد مكونات العملية الإبداعية من كل بريقها وتبرز عنفا واغتصابا يعكس منظور المبدع المزيف نفسه وتفقد أعماله كل مصداقية حقيقية للإبداع.
فالنهل من الفن التشكيلي يدفع القصيدة إلى بلوغ تجريد ورمزية بحيث تضحى للرموز دلالتها البالغة في سياقات القصيدة ومعانيها المتقدة لتعمل على تفجير اللغة بممارسة نوع من الهدم والبناء المتكرر داخل سياقات جديدة للدلالة على أحاسيس من قبيل الحزن مثلا وكيفية تمثله في شعر الآخر وربما تمارس الشاعرة هنا تناصا ضمنيا مع المقروء الذي جاء على شكل صورة تقول "
سماء غريبة
وأنت تحتها
ربابة مقلوعة الأوتار
كم من حزن خلفت
ليذريه غيرك
في ما تبقى من
أشعار" ص 19
فالحفر ضمن ثنايا وطيات المعاني تبرز استيرادا وتوظيفا للغة من خارج السياق التداولي المألوف مثلا في قصيد " نسيان " ص20   نتساءل كيف " تقطب الذاكرة من خلال التذكر ؟ وهي تنحو نحو النسيان ؟ وكيف تخلف هذه العملية جراحا بليغة وفراغا مهولا وصورا عنيفة جدا  ؟
فالكتابة الشعرية عند المبدعة فاطمة بن محمود تعمل على نحث مفاهيم مناسبة
كلما ظلت الحاجة للتعبير ملحة وذات بلاغة ومقصد ، فهي في نص " همسات " ص 37 تذكر المؤنث " القصيدة = القصيد " وبالتالي تؤنسنها وهي تبرز نوعا من المراودة عن النفس  من خلال إبداء  إعجابها به ومتعتها معه تتساءل عن حدود علاقتها به التي تجاوزت خطوطا حمراء تقول "
ما أمتع القصيد
كلما اختلى ..بي
هل يعلم زوجي أن القصيد
يشاركني الفراش ؟" ص 37
وهذا البوح يخفي في طياته الكثير من  التعلق والحب والرغبة التي تحرر الجسد إلى الحدود القصوى خارج نطاق العلاقة الشرعية من خلال مطاردتها له وتمسكها به لأنها بإقرارها تبرز رغبتها الجامحة في الاستمرار مع تيسير كل سبل الوصول إليه لتحقيق نزواتها العابرة تقول "
عندما يراودني القصيد
عن نفسه
هل أرجم..إذا ما
استجبت له ؟ " ص 37
إنه تساؤل ينطوي على إقرار واعتراف ومعرفة ضمنية بالعواقب ويبرز تجاوزا واندفاعا ورعونة وإقرار بالذنب ضمن دائرة المغامرة وألا تراجع.
إنها ذائقة الكتابة باعتبارها هما يوميا وقلقا إبداعيا يتم استحضاره فوق كل الرغبات باعتباره الرغبة الأشد التصاقا بذات الإنسان من هواجسه وحبل وريده
يتم استحضار لحظاتها بشكل رهيب وسنلمس هذا الأمر في نص زخات " ص 39 الذي يمكن اعتباره استمرارا للنص السابق " همسات " من خلال الإعلان عن تتمة حكاية المراودة بحيث تتساءل الشاعرة "
وأحيانا
يطول غياب القصيدة
و لا تطرق بابي
ترى هل قبضوا
عليها بتهمة المراودة ؟" ص 39
وسنلاحظ من خلال التفاصيل الواردة بنفس القصيدة مدى الأثر النفسي لهذا الغياب والتمنع والاحتباس الإبداعي من ترقب وعزلة وغضب وافتراضات وهواجس وظنون وأماني وهي حالات لا تفتأ أن تبرز الجموح الكبير والرغبة الرهيبة في الانسلاخ عن الجسد والسفر في أبعاد  أخرى أو ولوج باحات الحلم وفضاءاته المثالية لتحقيق رغبات دفينة من قبيل التمني تقول "
أحيانا
أشتهي أن أغازل
زوجي
إذا استلذ
كلامي
أهمس ليته كان
زوج جارتي " ص 41
" أحيانا
بأناقة بالغة
أعلق على حبل الغسيل
الثياب
وأغمغم بألم
كم يعذبني أن يتوغل
القصيد في الغياب " ص 42
وتجدر الإشارة إلى أن القصيدة  عند  فاطمة بن محمود تتماس في كتابتها مع الشذرة والقصة القصيرة جدا بحيث يضحى أثرها جليا في بعض النصوص مثل نص " حافة الوحدة " ص 27 بتحول الذات إلى مدينة موحشة غارقة في الظلام الدامس والروح غرفة منعزلة تحدوها فقط رغبة وحيدة في الاستيقاظ من عتمات الحلم وهو ما أبرز نوعا من الكتابة  الارتدادية نحو الداخل  التي تبرز عنفا وجوديا في رمزيته الدالة على الوحشة والانعزال والظلمة داخل متاهات الحلم هذه الصور المتدفقة تعلن من خلالها القصيدة رغبتها في التجاوز نحو أفاق رحبة وأكثر قدرة على منحها روحا جديدة  .
3) الشعر والتحولات السياسية في تونس
وردة للأمل ورود للحياة
لقد تأثر الشعر بالتحولات السياسية في تونس  عما كنا نقرأه قبل الثورة المجيدة، تحول سينعكس إيجابيا على النظرة إلى الواقع والحياة من خلال طرح قضايا عديدة بعيدا عن التلميح والغمز والترميز والإيحاء ، تحرر انعكس على مضامين القصائد التي بدورها أضحت  تشعر القارئ بنوع من الوضوح بعد الابتعاد عن الغموض أو الحذف وسنلمس في هذا الديوان نبرة مخالفة  فنص تأملات بقدر ما يرصد البدايات الأولى للثورة في تونس من خلال تأملات خاصة ترجمتها رغبة جامحة لكنها  تركت بصمات المرحلة شعريا   تقول الشاعرة "
وأنظر إلى صور الحرب
أتأمل عويلا يدق القلب
وأذهب إلى فراشي
أجر جثتي المثقوبة
بالرصاص " ص 21
إن الجرح هنا مجازي نفسي بامتياز جراء مشاهد العنف الدامية والخوف والقلق والترقب التي تخلف رهابا يصعب  التغلب عليه حتى في اللحظات التي تكون  فيها حاجة الذات  ملحة إلى  الراحة  عنف يقترن بالموت الرمزي من خلال جرعات تثقل رحى القلب وتدميه بالجراح  لتترجمها على بياض الورق إبداعا لكنه يظل ملوثا بلوعة وخوف وعدم اطمئنان .تقول الشاعرة "
كل ليلة
أطوي حوار الحرب
ثم أذهب لأنام
داخل كابوس " ص  22 فصور الحرب ستستأثر بنصوص أخرى كنص " أمنية " ص 22 من خلال الحديث عن مخلفاتها المادية واستعباد الإنسان ، ففي الحرب ليس هناك منتصر أو منهزم بل الحرب حسب الشاعرة " لا تستحق ..التمجيد " ص 23
وكأي مبدع عاش  تلك التقلبات  بمواجعها  وتلك التحولات الكبرى على الصعيد الوطني والعربي ستظل الثورة  عاملا للتجديد في الكتابة الشعرية كذلك لما تتركه مخلفاتها من آثار وخدوش نفسية رهيبة فكل انتقال ديمقراطي يحمل في طياتها رواسب قديمة يصعب التخلص منها بسهولة فتنعكس  إبداعيا داخل الصور المتعددة للقصائد لكنها تبرز بنوع من السخرية من خلال الإشارة إلى ما كان سائدا من استبداد سياسي وقمع بوليسي  وحصار يضيق الخناق على الشعب من طرف حاكم مستبد ففي نص  في شرفة الوطن " ص 61 نلمس تصويرا كاريكاتوريا لأحد مجانين الحكم وهو يمجد الموتى  والصامتين من أفراد شعبه تمجيدا يحمل دلالة تتجاوز حدود النص الضامر  الطافح بالمعاناة والقهر تقول الشاعرة "
قال الملك :
ـ المجد..لشعبي العظيم
وأشار إلى:
الصامتين
والموتى "
إن هذا التشييد سيقابله تشييدا آخر بقدر ما يبرز ارتجاجا لفكرة المجد سيعلن عن مرارة الواقع المعاش ضمن صرخة متحجرة في الحلق ونوايا وأماني حبيسة كأصحابها وضحية لمؤامرة الصمت والتواطؤ تقول "
البلاد..فسيحة
والحرية حبيسة
في ..رؤوسنا" ص 61
إنه جواب هامس نابع من جراء الخوف والحسرة ودلالة على سطوة الآلة القمعية وجبروتها .
وبالعودة إلى عنوان القصيدة " شرفة الوطن " تبرز زاوية الالتقاط تراتبية المواقع وبالتالي  الحوار بين " قول " من أعلى الشرفة وامتثال من الأسفل على شكل ردود أفعال ظلت هامسة بل داخلية في " نجواهم"  ولم تتحدد معالمها إلا ضمن السياق ألمفاهيمي للنص همس داخلي أو ربما أقل درجة من الهمس كإحساس فقط.

 وفي ختام هذه الورقة لا بد من الإشارة إلى أن هذا الديوان بانفتاحه وجرأته يساهم في تقديم الوجه الجديد للقصيدة التونسية بعد ثورة الكرامة بتونس بتاريخ 18 ديسمبر  والخروج بالشعر من عزلته وغموضه ورمزيته التي  كانت أحيانا  تستعصي فيه  القصائد  على الفهم  ،  ولنا يقين أن الشعر التونسي الرائد عربيا  ستعرف كتابته تحولات كبرى على مستوى المنظور أو القالب أو التوظيف فالتغني بالحرية والديمقراطية والحقوق المدنية ودولة الحق والقانون والحب والكرامة  ستضحى مواضيعه تنز بالحب و الدفء والعذوبة بعيدا عن الإحساس بالغبن والتمزق والقهر والنبذ  .


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) فاطمة بن محمود الوردة التي لا أسميها شعر مطبعة فن الطباعة الطبعة الأولى تونس 2011
° حميد ركاطة قاص وناقد

السبت، 12 نوفمبر 2011

تأملات حول القصة القصيرة في ليبيا


تأملات حول القصة القصيرة في ليبيا
 من خلال مجموعة "ضمير الغائب"1 ليوسف الشريف

على الرغم من المساحات الصحراوية الشاسعة في ليبيا، فالقصة الليبية موسومة بأنها الابنة الشرعية للمدينة، ففي مقال بعنوان "نثر المدينة" قراءة في القصة القصيرة الليبية. يرى منصور أبو شناف أن القصة القصيرة في ليبيا فن مديني، فن تنتجه المدينة ليعبر عنها، ربما لأن الشعر كان فنا ريفيا.2
سنتأمل هذا الافتراض على ضوء مجموعة قصصية لواحد من رواد القصة القصيرة بليبيا وهو يوسف الشريف في مجموعته "ضمير الغائب" لكن قبل ذلك دعونا نقول بأنه من المجحف أن نجعل هذا التقسيم الجغرافي موازيا للتقسيم الأجناسي، خاصة أن الشعر يثوي فيما هو نثري، والعكس صحيح فجينات النثر تسري في دماء الشعر.
هكذا يمكن الحديث عن السارد الشاعر في ليبيا مما يفسر غلبة التعبير بالرمز أو الهمز لدى الأدباء الليبيين3. لنخلص إلى أن بحيرة الأدب بالقطر الليبي تستوعب هذا التداخل المشروع بين القصة والشعر وتستوعب في شكلها ومضامينها المراوحة بين المدينة والريف.
يرى الكاتب والقاص كامل المقهور أن فترات كفاح الشعب لصد الغاضب (المستعمر) كانت مناخا طيبا لنمو الحكاية التي كان مخاضها في حضن الجدات والمجاهدين المقاومين4 لكن نزوع القصة في ليبيا إلى الهمس واللمز والغمز والرمز يدعو إلى التساؤل حول تشربها لماء الشعر من جهة، وحول حاجتها إلى مناخات الحرية من جهة ثانية.
حين نطالع مجموعة "ضمير الغائب" الصادرة سنة 1986 لكاتبها يوسف الشريف نفاجأ بكثافة الإيحاءات المسيجة للمعنى في سرد معجون بلغة مستفزة للخيال والحواس. لغة بامتداد الصحاري، وكثافة الكثبان. لغة تؤسس لعلاقة عدائية مع مكان المدينة:
"كان الشارع قفرا أسودا والسماء رداءً رماديا، يلف المدينة" قصة ضمير الغائب- ص09.
إن السارد الشاعر وهو يكتب عن الفضاءات المغلقة المسيجة بالقوانين، المفخخة بالمحاذير يحاول ترويض كينونته الجامحة، فكأنه يضع الملاك في الآلة، ولأن تيمة المدينة احتلت مساحات كبيرة في السرد القصصي في ليبيا كان من البديهي أن يربط بعضهم بين القصة القصيرة والمدينة إلى الحد الذي يجعله يعتبر القصة فنا مدينيا دون أن ينفي كون " المشهد المديني في القصة القصيرة الليبية يسود دائما دون أن تختفي منه بقع الرعوية" 5
المشهد المديني حين ينكتب بلغة شعرية جامحة فإنه ينفلت من إساره. وهكذا هو يوسف الشريف عندما يكتب نصوصه فهو يحضر بكامله. حواسه وعواطفه وحدسه وخياله 6 فنجده في قصة "مقدمة لحادث لن يقع" يكتب عن أفق مدينة وليس عن المدينة ذاتها. وبعين السرد الآثمة يرصد مشاهد جحيمية:
"صهد الشمس أذاب إسفلت الطريق، والطريق تغيب نهايته في الأفق، والأفق سراب، والسراب سراب الظهيرة، تطاير رصاص في الفضاء فأطلقت السيارات صرخاتها، حطمتها العربات المدرعة، تراكض البشر، وتدافعوا وتساقطوا وتبادلوا العنف بقبضات الأيدي وبالشفاه والأقدام، تلاشى كل صوت، انبطحوا على بطونهم والتصقت جباههم بالطريق وتذوقوا طعم السائل الأسود المذاب.." قصة مقدمة لحادث لن يقع- ص19
لقد تميزت كتابات يوسف الشريف بطابعها الضبابي التعتيمي حتى لأن الكتابة عن المدينة هي كتابة عن اللامكان، ونستعير هنا جملة قالها يوسف الشريف نفسه عن الأدباء الليبيين: إنهم يكتبون عن كل العالم ما عدا ليبيا" 7 ولم يكن الشريف بمنأى عن هذا التوصيف، فهو نفسه يجعل سرده خلوا من أي تحديد أو تصريح أو إفشاء. وكأي عراف أو متنبئ يطلق العنان لحدوسه ليستشرف نهاية واقع ممجوج منبوذ، فتأتي قصصه متواليات من التنبؤات والتكهنات يعتريها الخوف والترقب والتوجس:
"توغل في قلب المدينة الخالية، تطلع للنوافذ المقفلة وتوقف أمام قصر الملك، حراس مصفحون بالسلاح حتى أخمص القدم، يتبادلون الأمكنة والخوف والتوجس من كل مصدر حركة،.." قصة من أين يأتي الحب- ص75-76
وعلاقة بالآفاق الاستشرافية للأدب يمكن القول أن كتابات الشريف الإبداعية أكثر إصابة من كتاباته التصريحية في حواراته ومقالاته، ففي نقاش سياسي سبق ليوسف الشريف أن قال: "الأنظمة الشمولية من يغيرها؟ غير معروف" 8
وها هي إبداعاته في القصة القصيرة تتنبأ بتحول المدن إلى ساحات حروب والناس إلى أمواج متلاطمة:
" بحر بلا شطآن تتصارع أمواجه في قلب التيار ترتفع منبثقة من تحت اللجج السوداء كأنما تبغي الخلاص لكنها تعود وتتلاشى وسط أمواج أخرى تأخذ مكانها.." قصة زائر الليل-ص26.
يجد الناقد الليبي فوزي عمر الحداد في دراسة نقدية حول سرد القاص الليبي التكبالي، أن سرد هذا الأخير ينحو نحو حوار داخلي عبر أحاديث باطنية طويلة يصعب معها ملاحقة الحدث9 وهي التقنية نفسها التي يتمترس خلفها يوسف الشريف، بعد أن تمترس خلف لغة الإيحاء والرمز فكانت القصص تود أن تنبس لكن الكتمان يجللها، تريد أن تبوح لكن الخوف والتوجس يجعلها مترددة، بل ومحسوبة الكلمات:
"صدى العقب الحديدية تمزق صمت الليل وبريق العيون الذبابية المختفية خلف الزوايا والمنعطفات، وقصر الملك غارق في الظلام والصمت المترقب كصمت النهاية الفاجعة" قصة من أين يأتي الحب-ص76-77
وأشارت بعض القصص وباستحياء الإيحاء إلى زوار الليل (زائر الليل)ص21 وبفائض من الحب انتقدت قصة (من أين يأتي الحب)ص73 السلطة المستبدة. وتكفل السرد الموسوم بكونه شلالا فكريا منسابا بترسيخ قناعات فكرية ثورية لكنها نخبوية وليست في متناول القارئ العادي بدليل أن قصة مثل "نهاية أبو زيد الهلالي" ص27 أو قصة "الوحش" ص49 هي قصص استندت على عكازة مونولوج داخلي غير مباشر يسميه "ديفيد لودج" الأسلوب الحر غير المباشر، وهي طريقة تقدم الأفكار على هيئة حديث يسرد في صيغة الغائب وفي زمن الماضي 10
وفي الأخير فإن لغة الإيحاء والرمز وكآبة المدينة وتوسل مونولوج داخلي قد لا تكون أشكالا هروبية بل اختيارات أملتها ذائقة مجددة ومرهفة ومتمرسة.
وختما فإن القصة القصيرة في ليبيا ستجد في مناخ الحرية بعد النظام الشمولي البائد مساحات بكر مسكوت عنها، ولا شك أن القصة بهذا الطر لها كتابها الذين تمرسوا على أشكالها وصيغها الجديدة، فهم جديرون بها وهي جديرة بهم، على أن تبتعد الأقلام النقدية والرجراجة عن التصنيفات اللاأدبية: مديني أو ريفي، نسائي أو رجالي، أصولي أو علماني،،، وتحتكم إلى الكتابة الجملية الحقة.
شكيب أريج
nawras@gmail.com888
1- ضمير الغائب- قصص قصيرة- يوسف الشريف- الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع- الطبعة الأولى 1986
2- نثر المدينة - قراءة في القصة القصيرة الليبية- منصور أبو شناف.
3- الأديب الليبي: يوسف الشريف الأب الروحي لقصص الأطفال- موقع وسان
4- حول القصة الليبية- كامل المقهور
5- نثر المدينة- منصور أبو شناف
6- الأديب الليبي: يوسف الشريف - موقع وسان
7- نفسه
8- نفسه
9- دراسات نقدية في القصة الليبية- منشورات المؤسسة العامة للثقافة- فوزي عمر الحداد- الطبعة الأولى 2009- ص51
10- نفسه- ص51

الجمعة، 11 نوفمبر 2011

فاتح شهية نصوص تبحث عن هويتها الأدبية

"فاتح شهية"*: نصوص تبحث عن هويتها الأدبية


"فاتح شهية" الإصدار الأول للكاتبة فاطمة الزهراء الرياض، يثير الغلاف والعنوان الشهية حقا للقراءة، بل إن العنوان يحيل على التجنيس"نصوص أدبية" فيجعل الشهية أكثر انفتاحا وأفق الانتظار أكثر اتساعا.
ولعل ما جاء في قراءة رشيد هيبا من نقد لاذع على مستوى بنية الغلاف يضيف توابل أخرى ليجعلنا أكثر حرصا وشوقا لمصافحة صفحات هذا الكتاب. ذلك أنه اعتبر خاصية غموض التجنيس خاصية قدحية، لكنه اعترف أن "هذا الكتاب يعبر على حالة فريدة التعبيرالجمالي والفني، إذ أن النصوص تفتقر إلى النضج والإحساس بذلك الفعل الكلامي الذيتمارسه"[1] والحال أن الكتابة دون تخطيط أو هندسة أو وعي تنظيري مسبق هي كتابة لها قيمتها الاعتبارية النابعة من تلقائيتها وعفويتها ولا يصح تبخيس قيمتها. ولا نخال النقاش حول " الفعل الكلامي، الذي نمارسه" إلا نقاشا بيزنطيا، لأنه سيجرنا إلى إشكالية الكتابة أولا أم الوعي بها أولا؟؟ وتجدر الإشارة إلى أن أغلب المنظرين الذين ناقشوا إشكالية التجنيس انتصروا للنص المفتوح، وعليه فإن محمد كروم لم يجانب الصواب حين قال: " مشكل التجنيس الذي يطرحه الكتاب يعتبر من نقط قوته وليسضعفه."[2]

1_نصوص تغلق الشهية:
ولأنها نصوص _ كما تبين لي بعد قراءة متفحصة_ قد غالت في تحررها وانفتاحها أكثر من اللازم، فإنني أجد أنسب وصف لها هو "نصوص" مع إسقاط  قيمة "الأدبية" التي تلزمها بقدر غير يسير من الابتعاد عن تعويم الكتابة ومن النأي عن الرغبة الكسولة في التخفف من كل التكاليف والمسؤوليات.
لقد أطلقت الكاتبة العنان لقلمها لتسيل كلماتها المعبرة عن ذاتية مفرطة بالغت في التقاط التفاصيل والخصوصيات، حتى لتغدو هذه الكتابة موجهة إلى ذات كاتبتها.
ويبدو أن النصوص تعني الكثير لصاحبتها، فهي تحمل معاني كبرى لها، لكن القارئ يكاد يكون ملغى من حسابات الكتابة، وهو بالتالي غير مجبر على التفاعل معها، فقيمة الكتابة بالنسبة إليه تقاس بمدى قوة تأثيرها.
وإن تكن الكاتبة قد عولت على أسلوب محشو بالمجازات والتخييلات والاستعارات والتشبيهات، فإنها في نظرنا المتواضع _ وهو لا يلزم أحدا_ لم تكن موفقة في استلهام مكامن الجمال في معاني الكلام، ولنتأمل الأمثلة التالية، ونقس عليها باقي الزخارف اللغوية الأخرى التي شكلت مسرحا لغويا رديئا:
_ أناشد أقلام الشوق لانتعال حكاياتنا القديمة (ص69)
_ فلا تنهزم قط لأثقال الكبرياء التي أجرها (ص66)
_ انتشلتني صرختها كشخصية كارتون (ص109)
_ فمها الواسع الممتلئ بالابتسامات حبتي رمان صافية (ص74)
_ الوقع تنم الإيقاع ثم القبوع في الذاكرة (ص88)
تعج النصوص بهذه الجمل الملتوية الدلالات، التواء فيه من التنافر والتباعد ما يبرؤه من الالتواء الفني الإبداعي الجمالي. وتأتي التراكيب معقدة في حين تظل المعاني سطحية وممعنة في السماجة والفجاجة.
وعلى افتراض أن شهيتنا ما زالت مفتوحة لمواصلة المطالعة فإن ما يجهز على النصوص هو ذلك الكم الهائل من الأخطاء الإملائية والتعبيرية والنحوية والصرفية والمطبعية، فهل من مبررات مقنعة للتغاضي على مهرجان الأخطاء هذا؟!
إن التبريرات التي يسوقها الأستاذ محمد كروم للدفاع عن الكتاب لا تبدو مقنعة، وكون الأستاذ رشيد هيبا وقع ضحية أخطاء قاتلة في تقريره/ قراءته ليس تبريرا معقولا للسكوت عن أخطاء كتاب طبع ونشر بأخطائه وزلاته. وحتى لو وقع صاحب هذا المقال في أخطاء، فإن الخطأ يسمى خطأ سواء كان في كتاب أو مقال.
ويلاحظ في نفس المؤلف أن نصوصا سمتها الأدبية وفتح شهية القراءة قد استغنت عن علامات الترقيم ولم تعرها الاهتمام اللازم، حتى أن الكتاب كله خلو من الفواصل، وعلامات التعجب، مما يدل على أن القصور موجود في رقن الكتاب. فهل يعد هذا مبررا لامتلاء الكتاب بنقاط الحذف؟؟

          2_ نصوص تفتح الشهية
وإذا كانت من فضيلة تذكر لهذا الكتاب فهي جرأة الكاتبة في زمن شحت في الأقلام، وفي مدينة يعد الكتاب والكاتبات فيها على رؤوس الأصابع، ولهذا لا نجد تشجيعا وتثمينا لمثل هذه الجهود أفضل من تناولها بالدرس والتمحيص وإيفائها حقها قراءة ودراسة. ونقصد تلك القراءة التي تعبر عن وجهات نظر تكسب الموضوع تعددا في زوايا النظر إليه، ونقصد تلك الدراسة المبتعدة عن التطبيل والتزمير والتصفيق والتهليل.
ويكفي كاتبة هذه النصوص فخرا أنها برأت يدها من تهمة القيرواني " اليد التي لا تكتب هي رجل".
وحري بنا أن نقر بأن هناك بعض العبارات والفقرات، بل والنصوص التي تميزت بحس أدبي. نقر بذلك حتى لا نظلم الكتاب في مجمله، ففيه بعض العبارات مثل الذرر:
_ عذرا.. لكل امرأة تكون الشخصية وتبحث لها عن الذات. (ص40)
_ندمع فرحا والحزن مبتسم (ص62)
_(الموضا) هي أن تكوني في الواقع وقع حوافر الخيل لا حفيف شجر (ص62)
_ لم يكن حبك إلا عصفورا صغيرا ألف النوم بشرفة ذكرياتي (ص70)
ومن وجهة نظري أن نصوصا مثل: " حب في دقائق" (ص62) و"النملة والفيل"(ص58) و"الفأر والهرة"(ص59) و"النحلة والدبور"(ص60) و"فاتح شهية"(ص81) هي نصوص كانت موفقة على مستوى الشكل والمضمون، وتميزت بوضوح في الرؤية وسلامة في العبارة.

وفي الأخير فإن كون أسلوب هذه النصوص هو أسلوب متدبدب ومتغير ومتحرك يعطي انطباعا إيجابيا ومتفائلا بأنها كتابة تبحث عن فرادتها ولا تسير على غرار نماذج مألوفة ومكرورة.. إنها تشق طريقها نحو الأفضل.

                                                                                      شكيب أريج