المهلـــــــوســــــون الـــــــجدد

السبت، 3 ديسمبر 2011

الكتابة والجسد غرفة للدهشة أم سرير للخيانة قراءة في ديوان" ثمة موتى يستدرجون القيامة"(1) للشاعر التونسي شكري بوترعة


الكتابة والجسد غرفة للدهشة أم سرير للخيانة
 قراءة في ديوان" ثمة موتى يستدرجون القيامة"(1) للشاعر التونسي شكري بوترعة


حميد ركاطة




كتابة شكري بوترعة الشعرية لها ملمح فريد وخاص وإن كانت لا تخرج عن سياق الكتابة التونسية عموما ، لكن ميزتها هي النزوح نحو التأمل الوجودي في الذات والأنا والترميز دلالة الأشياء الأكثر رمزية في حياة البشر كالماء والحلم والحياة والموت إلى درجة سيطرة مفهومي ( الماء /والغريب )  على المجموعة ما فتح أبواب التأويل على عواهنها بشكل مطلق . فالاغتراب  والغريب والغرابة هي من الذات وإليها إلى درجة إفراز عزلة الكائن والكاتب على السواء  عزلة مؤدية إلى الموت أحيانا  وإلى الصمت وأحيانا أخرى  إلى فوضى الحواس  .
إنها كتابة مغرقة في الدهشة تنطلق من الجسد لتبرير فعلي الكتابة والخيانة على السواء فتضحى المرأة حبيبة تارة ووطنا تارة أخرى ، لكنها امرأة واحدة ووحيدة سيطرت في  نصوص  لا جدوى للباب /  والنافذة / وكما تركض الأرض في نفسها  . إنها عائشة التي قد تأخذ حجم الوطن.
فما هي أهم الخلفيات الإبداعية المرتكزات الفنية المتحكمة في هذا الديوان ؟
تجدر الإشارة  أن الديوان يحتوي على ثلاثة وثلاثون قصيدة وهو من الحجم المتوسط وصادر بتونس عن إنانا للنشر والتوزيع  سنة 2011  والقصائد كتبت في عهد نظام سيتبدد فيما بعد وتحت وطأة حصار ومنع وإرهاب فكري وقمع للإبداع والمبدعين ما جعلها تتدثر وتغرق في نوع من الإبهام( الترميز) الذي يصعب معه  فك دلالة الرموز بسهولة لكنها بمثابة رسائل حلق في القلب وأبرزت عنفوان الكتابة والتوق إلى الحرية والحياة الكريمة وإلى تضميد جراح الوطن الحزين .
1) العزلة ملاذ نحو الصمت أم نحو الحياة ؟
هل هناك شيء أفظع من عزلة تمتص بريق الحياة والإنسان وجها لوجه مع انزوائه وخمره؟
ينبعث صوت داخلي، صورة الأنثى الجامحة على الروح والكابسة للذاكرة صورة الضمير صوت القصيدة المجلجل في قاع الشهوة وفي نغمات ناي حزين، إنه الصوت المحرض على الخروج من الحلم والمجاز سرعان ما يدفع للهذيان لتكتشف أنك وحدك في عزلة تامة. فبوثيرة سريعة يشيد الشاعر معالم قصيدة تختزل تاريخ البشرية منذ بدء الخلق وهي تستعرض انجازات الإنسان  يختزلها في النهاية في عزلته وانزوائه ليرتفع صوت المجاز داخل الجسد  الذي تمزقانه من الوحدة ويشرف على البكاء  أو الموت الذي يضحى هو الآخر عزلة من نوع آخر تستدعي مساعدة . يقول الشاعر "
يد واحدة لا تكفي للذهاب إلى الآخرة " ص 58
ومن عزلة الكائن إلى عزلة الذئاب البشرية داخل مدى قاتل مليء بالإحباط والقتل المتوج للنهايات كأنها ولادة سيرة لوجع مستحيل.
إنها شعرية الغموض الضاربة في أعماق فراغ مهول وكأنها شرك للرياح أو خيمة للسراب مليئة بالاعتذارات " لأطفال يمرحون قرب الحرب ولسلم منشود يغتال أصحابه "
إنها مرارة الخديعة المجسدة لمفارقات تجعل من اللغة الشعرية نافذة على الوجع مذبحا لصلوات الآلهة ما يجعل الذات ملاذا للفوضى والحرب المستعرة بالقلق المستمر.
2) الكتابة والجسد
ذات الشاعر التي يلفها الفراغ  ينصب قربها سياج غربتها مشانق هي نفس الذات التي تشعر وكأنها تغتصب بالقوة . فالكاريزمية التي تمارسها الكأس تحيل الذات سريرا للغبطة  تستبيحها حد الجنون والرفض فضاء للغواية وانتشاء الفراغ المهيب ، فيضحى الجسد سؤالا مفتوحا على كل اللغات حجرا يتحرج على السراب الذي يتم تبذيره على الدوام مدثرا بالنسيان والغياب فالسؤال لعنة وسيف وحجر مدثر بالماء . وتبرز قصيدة " ضدان على سرير المعنى "ص 33 حياة ترثق الفراغ وموت يتعقبها بين الماء والتراب لتنضح الخطيئة وتستفز الشهوة .
هكذا تمتح القصيدة من نفسها معبرا مؤديا نحو جمالية التقابلات الضدية عبورا نحو خلوة المجاز والاستعارة وقد أضحى الجسد غابة للغة بتضاريسه  المرئية واللامرئية وطريقا عبره تستمر غزوات تشيد صروح وتقام طقوس هي مجرد امتداد  للخطيئة الأولى يقول الشاعر "
منذ نعاس القيامة في أناشيد الآلهة
منذ إبليس يحصي أنفاس العشاق لحظة البوح
لحظة الجنس يمزق شرايين النوم " ص 35
إنه اعتقاد وتشييد على دهشة الجسد العاشق والخائن في ذات الآن والمحترق ما يجعل من الوفاء للطهارة والانسياق لسحر الخيانة من نفس الجسد يجعل اللغة ذاتها تتسع لها فوق سرير المعنى وتفتح بمجازاتها إمكانيات للطمس كي يستفرد معدن الخيانة بالجسد.
هذا الجسد الذي أحصى إبليس أنفاسه ، واستفرد بالخديعة والجنس والخمر وكل الخيانات تحول تاريخها إلى تاريخ قاتم ومظلم تاريخ الجرائم والعلاقات الرديئة . من هنا نتساءل عن حقيقة هذا الجسد هل هو غرفة للدهشة أم سرير للخيانة أو للخطيئة ؟
كما نأتي إلى العالم صدفة نسقط في الرذيلة كما نسقط في الليل لتتحول  الذات وطن والجسد قاعة للهزائم والبراءة والطهر والحب مجرد جسر للخسارات الكبرى به ندون مدائح الغياب وذاكرة الموتى فلماذا كل هذا الاحتفال بالماء والجسد إلى درجة تحوله ذاتا راكضة مضطربة في ماء يرفع الليل قليلا أو سماء تطيش الفراشات من خلال روح تحدق في فراغ كي لا يدركه الحزن.
إن جمالية الفراغ والعدم هو سر ذلك التمنع والسكون والرهبة والتوقف المفاجئ الذي يهزمنا، عدم لا يدركه الحزن لأنه ممتلئ على الدوام بسحره الخاص كي لا يتسكع في التاريخ وحيدا أو عزلة تخون الضجيج.
إنها حالة من الصفاء حيث تتوهج الروح وتعانق داخل بعد آخر ما لا يمكن معانقته باللمس، وقد ارتفعت الروح مدارات الطهر وتعالت عن العالم المادي.
حينما تتحول الذات إلى فراغ هائل ينبعث التأمل متفحصا سر ذلك السكون لتتراءى الصور كرنات موسيقى تنبعث في عالم الوحدة الغارق في استقصاء سحر الكون المشحون بالحكمة والجنون تتحول الذات المحكومة بالأمد القصير مملكة لاستخلاص عبر حياتية تنز من شهد الوجود فالحياة حسب الشاعر أقصر عرا من الفقراء .
فالارتداد نحو الذات بقدر ما يحولها مملكة للفراغ تضحى فضاء للتأمل وجحيما للاحتراق بأسئلة  الغيب بحثا عن ولادة جديدة أو تحول في صور أخرى "
نحن مسودة الله..نشرك باللغة
بأنين العسل الفذ..على شرفة أيامنا
اسمي الشعر حيض الفجيعة " ص 54
فالكتابة تضحى الملاذ الوحيد للهرب كالزهرة التي يطل من شباك منخلها راكضة نحو تشكل آخر لا ترصد سوى القتامة والوجع والموت لكنها في ذات الآن ماء ومرآة تعكس بعصيانها صرخاتنا العميقة التي تنبعث من مساحة الظل كي تحقق ولادتنا من جديد في صمتها أبلغ تعبير عن فداحة هذا العمر وعطشه لنبيد الشعر كترنيمة نار الماء حيث تطير الفراشات لتحرر الأفق من الذات وتسلخه من اندفاعاتها  وهزائمها وكأنها تستنجد بالحكمة كي تجعل الندم فرصة ثانية وذبابة تبيض فوق المعنى أو سياجا للغرابة وسريا للصهيل
الكتابة ممر لعري الذات وتحليق للروح وكأنها تكتب خاتمة الجسد وتعلن حربها على غرائبيته .
3) المرأة / الحب / الماء / رمزية عائشة
ماذا تمثل عائشة في دلالتها بالنسبة للشاعر وقد استحضرها في قصيدتين كجرح قديم، امرأة غارقة في البكاء " لو تزل عائشة ترشق بالزغاريد جرح الهواء
 وترعى قطيع الندى في الحديقة " ص 29 كما هو الأمر في قصيدة لا جدوى للباب والنافذة أو في قصيدة «كما تركض الأرض نفسها " ص 43 "
 وقتها لو تكن عائشة قد تزينت بالدماء..كانت تعالج
 سقم الندى وتثني على البحر والبر والقادمين من
 قرطبة "
فعائشة هي تاريخ منسي وطن ضائع وعشيقة تاهت عن طريق العودة.
لقد تردد مصطلح " الغريب " من خلال الديوان كصوت ينطق باللوعة تارة والحكمة تارة أخرى يقول الشاعر "
يقول الغريب إلى الجهة التي ضيعته : هنا خيمت لغتي
 هنا كان حواري الأخير مع قرطبة " ص44
وفي نص " ثم نرتدي قميص الفراشة" حيث يخاطب الغريب ظله: "
غدا نحتمي بالمدن
التي وهبت وقتها للشائعات
وينزف معدن غيمها بخواتم الدساتير " ص 17
ويضيء الغرباء طريق الحروب الأنيقة " ص 30
ويشتد الوجد والحزن واللوعة  بالشاعر فتضحى كل الأمكنة شجونا رغم فساحتها فعائشة التي زوجت للغريب ورحلت معه بعيدا تركت مكانها حزينا وعشيقها ممزقا وقد أسرت نفسها ورمت بذاتها للحزن والعزلة حزن يوازيه حزن آخر العشاق ليتمزق من الوجد يتمنى أن تحذف حبيبته البحر الذي يرق بينهما وكل المسافات لتكون قريبة منه يقول "
أه عائشة..لو تحذفين البحر ليلا
وتقترب حلب
..وأعلى سقف الليل قليلا
وأنتبه حين أموت
بأن لا جدوى من للباب والنافذة " ص 30
إن الصراع الأبدي بين الواقع المصطنع الذي تحكمه الأشياء  والحكمة والخيال الضاج بالقلق واللامبالاة وقد لفه العجز للانطلاق خارج سجون الذات وقيودها الممزقة لينشد الاحتراق وكأنه دعوة للعقاب ونافذة للبحث عن نجاة مهملة يقول الشاعر "
كان العقاب مهذبا ويدعو للنجاة 
ما كان  الحب مهنة القلب القديمة
فقط كلما ونت فكرة المرآة احتمال الخروج المبكر من فكرة
أسعفتها الحروب
كي تعيد النعاس إلى الذاكرة " ص 16
في حين اتخذ الماء دلالته من خلال مجموعة من القرائن ليضحى قاموسا مسيطرا :
في قصيدة من عادات العشاق " ص 45 يقول الشاعر " إن  أصل الحرائق ماء  "
سلالة الماء / أدور في الماء... " ص 38  
اكتفت غيمة الخوف بالبكاء ص 35
يد الماء ص 33 / " أه عائشة...لو تحذفين البحر ليلا " 30 / " شوقا كانت الغرانيق تثبت للماء هويتها " 29 / " مدثرا بالماء " ص 25 "/ يدور الطفل في  الماء " ص11 / " أنسخ الماء "ص 9 " هكذا تبدو المسالك / شبيهة بنسل يضيع في الماء " ص 12 " / يدخل لك البحر من النافذة " ص 10 " وتشرب من كفه " ص 18 " مطر على هلاكي في بخار الأودية " ص 19 ... و الأمثلة كثيرة
إنها نصوص تتخذ من الماء رحاء وزاوية تنسخه على أوراق الحلم فتدخل الذات رواق الخلوة وتتحول شجرة للذكريات تنحى نحو الحياة وهي تقصي من داخلها لعنة الموت .
فالقصائد تتخذ من الماء سارية لحكيها وحديقة تستنبت فيها حياتها الثانية بعد الموت كما في قصيدة ثياب ..كساء قديمة " ص 11 حيث يقول الشاعر "
 هكذا أبدو خفيفا ومتوحدا في ثيابي
للمرة الأولى أدخل حضرة الغيم " ص 12
فالتحول الذي يطال جسد الشاعر وروحه يمنحانه الخفة وقوة البصيرة وبعد الرؤيا وتوقع الغيب.
إنه خطاب مرتد نحو الداخل نحو الروح بحثا عن الأنا الضائعة والمعنى المنفلت للقصيدة على الدوام.


4) للحرية أغنية في القلب
تضحى الاستعارة والمجاز والإيحاء العلامة البارزة في قصائد هذا الديوان ، ومعبرا للعبير عن الحزن والظلم والأسى بحثا عن انطلاقة جديدة وحرية مصادرة بالقوة ، فالرغبة  في ارتداء قميص الفراشة الواهن والمطارد على الدوام هو رغبة في مواجهة جبروت النظام الذي حول الوطن " جسدا ميتا وفيضا من التوابيت والأقفاص وقد ضرب بقبضته الحديدة حصارا لعينا ينزف بخواتم الدساتير ويتلذذ بالقوة والعنف .
إن الأمل المعقود على الغد والمدن التي وهبت وقتها للشائعات جحيما لم يجد فيه الشاعر سوى ظله ليخاطبه ويناجيه ويمنيه بالحلم للاحتماء بأزهار من رعدة الروح وهو يرتدي قميص الفراشة على ظله المنحني في الفراغ.
مملكة الذات التي عليها التكيف مع الواقع الجديد على نوم وحلم خارج سياج المنافي أو شرق صداع الملك .
وسنلمس سخرية كبيرة في نص " بعوضة في غوانتانامو " الذي يعري عن الوجه الحقيقي للغزو وأقنعته  السافرة يقول "
هل كان للحرب أن تستنجد بالكمنجات في الأوبرا
لتنبت نخلة في غوانتانامو" ص 31 ليبرز أن داخل منطق القوة يسكن ضعف ، فغزو أضعف المخلوقات " البعوضة" التي تنتقل بين الزنازن وتمزج بين الدماء يقول الشاعر "
البعوض وحده
قادر أن يمزج بين دم السجين ودم السجان " ص32
وهذه القدرة تمنحه حرية لا يتمتع بها أحد منهما وكأنه يقوم بمهمة روتينية حيت يصف طقوسه قائلا "
ينهض باكرا
يلمح حريته من وحل الحراسة
يسأل النافذة عن الوقت
ويمضي إلى مغسله " 32



5) يسألونك عن الموت
تبرز الموت من خلال هذا الديوان مستأثرة بحيز لا بأس به ويتحول عبر القصائد إلى نوع من الموت الآخر للأرواح تحرر ذواتها وتوابيتها بحثا عن أرصفة للقيامة .
إنهم الموتى الذين يصنعون الفرح بحثا عن دولة المنفى يتحقق فيها عالم غير معتاد، عالم اللغة الطافحة بالشعر والنثر منها سيطلب الشاعر مغفرته في غفلة من الرب في مرافئ وأرصفة هي جموع للصعاليك.
لقد أضحت الذات وطنا للخرافات منفى للسؤال ومجالا للنسيان ، إنه عالم تضحى فيه الذات زاوية قصية وفضاء مهجورا على الدوام في مكامن الغيب فالموت هو اختبار في حد ذاته ، والذات تبتكر أجساما أخرى داخل نفس الجسد والدم يضحى مجرد حاشية للتيه من طيش الأرض وغبار الأزمنة وج فالموت يشبه النثر في الصلوات ونشيد خروج الفناء فالحياة أرملة تدجن الليل
في هذا الديوان نلمس نزوعا نحو كتابة بقدر ما تحتفل بالموت وحلول الذات في الأشياء نلمس ذلك النزوح نحو الخلاص والنبذ للمادة وكأنها تريد إعادة خلق نفس الذات داخل بعد آخر ( بعد ثالث ) انطلاقا من الاحتفال بمكونات أصيلة طاهرة ( الماء / التراب / ..) كما تستحضر الحلم كرواق للخلود .
قصائد الشاعر التونسي شكري بوترعة تنبعث منها حرقة ومرارة وهي ترتد نحو الأعماق تستقصي داخلها لعنة الموت بحثا عن الرؤيا والغيب من خلال صراع بين الواقع والحلم والمنطق والحكمة من خلال تفجير المكبوت بهدف تحرير نفس الذات الحالمة المقيدة بالظلم والعنف والنبذ .
إنها قصائد تجعل للفراغ جماليته الآسرة وأسئلته المفتوحة على لغات العالم وللأنا كصورة منعكسة في مرآة الروح ، ما جعلها تأخذ ملمحا عجائبيا  وفنطازيا  حاول من خلال الشعر ركوب قارب التجريب والتجريد وتفجير اللغة لخلق سياقات مفهوميه جديدة ودلالات مخالفة للمألوف. هذه الغرابة تعبير عن اغتراب الذات الشاعرة وسخريتها من الواقع ومحاولتها تجاوز معيقاته تحقيقا لعبور آمن نحو خلوة الشعر محمولا على بساط الدهشة  وقد أضحت الكتابة جسرا للخسارات وليلا يحول الذات وطنا للهزائم .
 ـــــــــــــــــــــــــــ
(1) شكري بوترعة " ثمة موتى يستدرجون القيامة " شعر إنانا للنشر والتوزيع سلسلة لهات البحر 8 تونس 2011

«خطوط الفراشات» بحثا عن مجاهل الكينونة



«خطوط الفراشات»
بحثا عن مجاهل الكينونة


    عبد السلام دخان

تؤكد مجموعة" خطوط الفراشات"  العمل الإبداعي الأول للشاعر محمد العناز انتمائها لتربة الشعر المغربي على مستوى مكوناتها التعبيرية، وإبدالاتها الدلالية، وتشكيلاتها الكاليغرافية. و قد صدرت «خطوط الفراشات»  في نسختها الأولى عن منشوراتLA CROISÉE DES CHEMINS  وهي المجموعة الشعرية الفائزة بجائزة القناة الثانية للإبداع الأدبي 2008/2009. وتقع في 94 صفحة، أنجز الفنان  المتميز عبد الخالق قرمادي لوحتها الفاتنة في مزاوجة استثنائية بين السفر الإشراقي للفراشات ، وبين الأبعاد الإيحائية لخطوط سفرها، وما تتضمنه من طاقة تأويلية وحس جمالي.
 وتضم هذه المجموعة القصائد التالية: مِرْآة، عِشْقْ، رَغْبَة، خُطُوطُ الفَرَاشَات، القَصْرُ الكَبِير، رَقْصَةُ الغِيَاب، تَطَّفْت، دُرُوبُ دُخَان، مُكَاشَفَة، سَيِّدُ الْمَعْنَى. وترسم " خطوط الفراشات" عوالمها ومعالمها عبر تشكيل دلالي يراهن على الكثافة الرمزية للأماكن والأعلام لصياغة عمل إبداعي يلامس هشاشة الوجود الإنساني، ويعيد اكتشاف الذات المثقلة  بالإحساس التراجيدي في تعالقاتها  بالزمان والمكان، مما يسمح بالانتقال من الدلالة المجازية إلى الدلالة الحقيقية التي يخلقها النص الشعري عبر إحداث تغيير جذري في الموقف الوجداني انطلاقا من تفاعل الكينونة مع الوجود، ورصد تحولاته واختلالاته، وهو ما يفسر توسل الشاعر محمد العناز بالاستعارات القريبة بوصفها الأداة الأنسب لوحدة الذات الشاعرة مع العالم، وكأنه أنصت لنصيحة أرسطو لخلق ألفة بين الذات والوجود.
«خطوط الفراشات» ذات بعد رمزي لأنها تقوم على محور استبدالي للغة عبر الاستعارة التي تتغيا الإقناع مما يعلل هيمنة الضمير، وحجاجية المقول الشعري المتسم بشحنة عاطفية تأثيرية نابعة من انشطار الكينونة بين عالم الواقع والأخيلة المضللة. وساهمت رهافة الشاعر في اقتناص مشاهد مألوفة محايثة للتجربة الإنسانية، وفي خلق تداخل قوي بين الصور الحسية والصور المحسوسة مع الحرص على التوظيف الشعري للإيحاءات من أجل إدماج الذات في فضاء أرحب يتجاوز الجغرافيات الضيقة، وتبديد قلقها في التعايش مع التحولات التي يرصدها صاحب «رقصة الغياب» عبر توظيف المشاهد الواقعية، والابتعاد عن الغموض والتكلف باستخدام تقنيات كتابية مثل الحدث (وَوَحْدَهَا الْجُثَثُ الْعَائِمَةُ وَسَطَ الْيَمّ ِتكَسِّرُ سَطْوَةَ الزُّرْقَةِ..)، والقوى الفاعلة (البحارة، الجد، الفتاة الجبلية..)، ولغة القص (لاَ عِلْم لِي بِتَارِيخِ الأَعْلاَمِ وَالْعُشَّاقِ وَبِأَسْمَاءِ السَّاحَاتِ/ وَحِيداً يَبْتَسِمُ لِلسُّفُنِ الْغَرِيبَةِ..)،وفن السيرة (عَبَرْتُ عَبْرَ دُرُوبِ دُخَان مُزَوَّداً بِالْيَأْسِ..)، مع الاعتماد على تنويعات بصرية بموازاة تفاعل الصور الشعرية مع العلائق النصية التي تخلق السيرورة الدلالية لخطوط الفراشات بوصفها تجسيدا لتحقق الكيان الشعري. وقد خص الشاعر للمكان مساحات واسعة لتحريك النص من الداخل بخرق خطية الزمن المرجعي، والانفتاح على الزمن الدائري، وعلى المحكي الشعري الذي ساهم في تأويل العالم شعرياً. إن السعي إلى خلق أفق دلالي وجمالي ممتد يستمد مشروعيته من طبيعة الوعي الشعري لمحمد العناز وللإستراتيجية التي نهجها في عمله المتسم بعناصره الأسلوبية وطاقته البلاغية، وحركيته التي جعلت من الإنسان المتمرد مركز العالم كما هو الحال في قصيدة «سيد المعنى»، وفي الوقت نفسه، فالحدس الزمني حقق في مجموعة «خطوط الفراشات» مزية الإمتاع والتواصل، وأعاد إنتاج معرفة تغير الأصل من أجل تحقق الوجود على نحو شعري، وهو ما يبرر عنايته الفائقة بالعناوين التي تتشكل من تسميات مفردة(مرآة،عشق، رغبة..)، وتسميات مركبة مكونة من مضاف ومضاف إليه (خُطُوطُ الفَرَاشَات، رَقْصَةُ الغِيَاب)، ليجعلها عتبات لدينامية العمل الإبداعي الذي يعكس تعالق الذات بالمكان المرجع أو الواقع. ولعل  لهيمنة المكان «بيت الأشياء» على حد تعبير غاستون باشلار أثره في المغامرة الأنطلوجية انطلاقاً من المكان الأمومي (قصيدة تطفت)، والمكان المجازي (قصيدة دروب دخان)، والمكان الهندسي (قصيدة القصر الكبير). وتتفاعل هذه الأمكنة مع القيم التي تفصح عنها «خطوط الفراشات» المتسمة بجرسها الموسيقي القوي، وبأشكال إيقاعية مثل التوازي (الأفقي والعمودي، وتوازي الكلمة والجمل)، والتكرار فضلا عن الإشباع، والتسكين، والحذف، والتقديم والتأخير، وتداخل الصوامت والصوائت. وستصبح المجموعة الشعرية عبر التخييل الشعري مفارقة للمكان المرجعي ومحايثة للمكان الموازي، مكان القصيدة الممتد والفسيح ، وتلك هي وظيفة الشعر.

الورد بين الدلالة النفسية والإبداعية قراءة في ديوان" الوردة التي..لا أسميها" (1) للشاعرة التونسية فاطمة بن محمود



الورد بين الدلالة النفسية والإبداعية
قراءة في ديوان" الوردة التي..لا أسميها" (1) للشاعرة التونسية فاطمة بن محمود

حميد ركاطة °

تحاول الشاعرة فاطمة بن محمود من خلال ديوانها " الوردة التي لا اسميها  الانفتاح على أفق القصيدة الجديدة الضامرة الحمالة لدلالات واحتمالات متعددة قصائد أشبه  "بالهايكو اليابانية " في شذريتها ما جعلها اختيارا استراتيجيا من خلاله تعمل على تقديم مواقفها ومنظورها شعريا للقارئ ، وهي مواقف  توزعت بين " الشوق والبوح  وصورة الأنثى  وتمثل جسدها المستباح دوما من خلال الارتكاز على  تجليات  الوردة  بشكل إستعاري  للدلالة على حالات نفسية تترجم سواء من خلال الواقع أو عبر الحديث عن الجنس والطفولة  والتحولات السياسية بتونس .
فالقصائد وظفت فيها تقنيات كتابة متنوعة ونحتت من الأجناس الأدبية الأخرى(القصة ) وباقي الفنون التعبيرية ( التشكيل / الصورة ..) . كما رصد صورة الوطن الجريح  والتحولات السياسية في تونس والموقف من الديمقراطية والتوق إلى الحرية  والنبش في تفاصيل الحياة اليومية سواء العامة أو الخاصة من خلال تقديم صورة المرأة المنكسرة أو العاشقة وصورة الرجل ..
فالنظر إلى الأنوثة ارتكزت على دلالة الوردة كجسد مستباح  بكثير من الاحتجاج والتوق إلى التحرر من قيود  مختلفة ( الذكورة ، الدين ، الواقع ..) إلى حد  الانسلاخ عن الذات ما جعل القصائد تنفتح على أفاق رحبة أكثر عمقا من خلال نبذ الخيانة والجنون والحرب .
وقد احتلت الكتابة الحيز الأوفر داخل هذا الديوان باعتبارها هاجسا  وهما يوميا يترجم نظرة الشاعرة وقناعتها على أرض الواقع فالبحث عن الحرية كان مرتكزا واختيارا استراتيجيا عملت من خلال تعقبها البحث عن بدائل ممكنة لضمان الحياة الكريمة ، كما لمسنا كتابة ساخرة في البعض منها .
وإذا كانت تيمات هذا الديوان قد تنوعت واختلفت إلى حد تشكيل باقة شعرية لها نكهتها ظلت الوردة في تعدد مفاهيمها وتوظيفها داخل سياقات مختلفة هي المرتكز في كل تصور لأنها أحد ملامح ( الأنا والآخر / والمكان / والإحساس / والحرية / والموت ، والجنون / والحب / والرغبة / والقصيدة / والوطن ..) من خلال رمزيتها شيدت عالما حافلا بالتمثلات  العميقة المترجمة لقناعات متعددة وكرسيا للإعتراف والبوح بحقيقة المشاعر . ووطن محلوم  به على الدوام وخطابا مهيمنا لتصريف مكنونات الذات الكاتبة وتمثلاتها وتساؤلاتها  ومشاعرها وإسقاطاتها  ومواقفها النابذة للعنف والكراهية والحرب .
إنها قصائد حولت الذات إلى بؤرة تفاعلات نفسية وجسرا للعبور نحو الحرية في أبهى مفاهيمها ودلالتها النبيلة .
1) دلالات الوردة وتمثلاتها
شكلت الوردة من خلال الديوان بدلالتها مفاهيم نحثت من كل المفاهيم والأشياء فهي لم تقتصر على مفهوم واحد بل أضحت سارية للكتابة والتعبير عن الأشياء  أو إبداء المواقف الإنسانية وهي محطة للعودة إلى الطفولة كلما اقترن وجودها بالإحساس للماضي  لتضحى  كما هو الأمر في قصيدة " لوم" ص 10 تقول الشاعرة "
 أتحول إلى طفل
 زائغ البصر
 تائه
(.. ) ويهون أمري
القصيدة في حضرتها ..
يرتبك"
فالوردة هي القصيدة المتمنعة التي تأبى التفتح في حضرة الكتابة يتحول  أمنية تتوق لتحققها في ظل شروط الذات الكاتبة وحالتها النفسية الكئيبة لحظة الكتابة تعاند بقوة إلى درجة الاستحالة  تقول "
لو تزورني الوردة
الآن
تبث في الورقة
الحياة
وتصوغ خاتمة أخرى
للقصيدة " ص 11
لقد شكلت الوردة كرسيا للإعتراف من خلاله تبوح الشاعرة بحقيقة مشاعرها المتضاربة من حب وكراهية تنبذها حينا أو تشيح عنها تنبذها متزلفة كاذبة وهي تضمر في القلب  رغبة جامحة لها مبرراتها كذلك ، تقول "
لم يعد لك مأوى
في قلبي
لم تعودي الروح
لقصائدي
آه ..كم أجيد الكذب " ص 14
فالوردة عاملا أساسيا ومحركا لكل المقاصد داخل الديوان  فهي تنجلي في النوم والصحو وتؤثث تفاصيل الحياة اليومية سواء في إشراقها المنفلت أو تقلباتها المنغصة على الروح والذات تتقمص كل الصور والحالات لتشكل بانعكاساتها مرآة تعكس الوجه الآخر المشكل لخطاب الروح والمناجاة الداخلية تضحى الوردة هي الأخرى مرآة صاحبتها تقول "
تبتسم له كل الورود
إلا وردة..لي
تشرق إذ أطل عليها
وتنتشي إذ تلامسها أيدي" ص 32
هذا الإحساس تترجمه الدوافع الكامنة في الأعماق وانعكاساتها الداخلية بتحول ذات الشاعرة إلى بؤرة أو نقطة  عبور لقياس درجة التفاعل أو التأطير الدقيق . وتتناص النصوص في كثافتها  مع الشذرة في حكمتها وعمقها ودلالتها وتأويلاتها تكثيف  نابع من الحاجة إلى إبراز الحيف الذي يطال ذات الأنثى ويختزلها بشكل سافر ، ونص تعري ص  32 يعكس بعمقه وتأمله هذا الطرح والشاعرة تتساءل بحسرة واندهاش على هذا المآل لتبرز سخرية قاتمة وتعلن رفضا ضمنيا للمتمثلات والإسقاطات المترسبة لدى الذكور تساؤل بقدر ما يكشف عن الوجه البغيض للنظرة الدونية للمرأة والجسد وتفرغهما من إنسانيتهما ومكانتهما الاجتماعية وتختزلهما بشكل وظيفي جنسي محض دون التوغل  نحو العمق الصافي تقول "
كم يجب على المرأة
أن تتعرى
لتكشف عن
قلبها ..البض ؟"
وتتوالى الاحتجاجات من خلال نص " حب صامت " ص 33 ليتأكد  ذلك الرفض وتلك المشاعر السلبية  تجاه الأنوثة وتجاهل مشاعرها الفياضة دون القدرة على اختراق حاجز الصمت نحو الجوهر ، فالمبادرة الذكورية تعرف نكوصا ورتابة سيؤججها الانتظار والزمن الرهيب  موقف يتكرر في نص رائحة " ص 36 وهما نصان يقدمان بشكل فني زيف المظهر الخادع  والصور المقنعة التي لا تبرز جوهر الروح وتخفي وراءها مقتا كبيرا .
وتأخذ الوردة في نص " جريح الوردة " ص 49  دلالة المرأة بحيث تبرز لوعة العاشق الذي سيعاني من تبعات الغرام بعد الرحيل ، رحيل سيخلق جرحا بليغا في القلب بعد الوقوع في الحب . وهنا تتم الإشارة ضمنيا إلى العلاقات الخاصة بتحول الوردة لامرأة ما ترصدت  رجلا عن قصد  وأوقعته في شباكها ، هذه القصدية تحول الرجل إلى ضحية وتعبر عن دهاء المرأة واستعمالها لأسلحة الجسد والإغراء  في علاقاتها الإنسانية والحميمة فجريح الوردة يقدم صورة الرجل كضحية مؤامرة حب ، في حين نلمس تجسيد مشهد رومانسي من خلال نص " زاوية حب " ص 50 والشاعرة ترصد تفاصيل واقعة تحفها ملائكة الحب والمشاعر الفياضة والرغبة الجامحة من خلال جلسة يبدد ظلام زمنها فانوس مكسور ، ولعل إبراز سلوكهما وجموحهما الغرامي وهو يميل كل لحظة على عنق حبيبته بقدر ما يبرز توقا ورغبة سوف تصل إلى حدود الانصهار الفعلي دون وقوع حدث طارئ سيتسبب في كسر الفانوس لتعم ظلمة ستحررهما من كل العيون للانغماس في شهد الحب ، تقول الشاعرة "
"(..) بقعة
ظلام داكنة
يميل العاشق على عنق حبيبته
ترتعش الوردة
تكاد تذوب من
حرارة ..الفتى
والقلبان على حافة الانتشاء
طوبى للحجارة النبيلة
أصابت عين الفانوس
شكرا ..للأطفال الأشقياء " ص 50
وتتحول الوردة إلي عيني الشاعرة  المطلتين على الخارج والمشرئبتين  نحو الجيران تستطلعان مكونات الفضاء الخارجي بكل مودة وفضول تظلان متفتحتين عابقتين نظرتين في عيني الآخر . وهو شعور ينعكس على روحها وذاتها ونظرتها إليهم بكل حب ولطف فكلما توفر الاستعداد للانفتاح على الآخر برز الدافع تقول الشاعرة في نص " تعارف " ص 18
" وتظل أزهار
متفتحة
بكل ود
آه ..ما ألطف
 جيراني الجدد "
إن الحكم هنا نابع عن إسقاط للشعور الداخلي وللدفء الذي نحف به الآخر انطلاقا  من استعدادنا النفسي  وحضور القابلية للانفتاح الايجابي على الآخر ، شعور يغيب  عادة داخل المدن أو عند بعض الجيران المتقوقعين على أنفسهم بحكم تقاليد المدن وانعزال ساكنتها المتقاربين جدا في السكن والمتباعدين  اجتماعيا .
وستتناص قصيدة تعارف مع قصيدة " زيارة " ص 29  في مفهوم الوظيفة التفاعلية للورد وأثرها على الذات والمحيط فإذا كان النص الأول تتسلق فيه الأغصان النافذة للإطلالة  على الجيران فإنها في هذه القصيدة تتسلق الأغصان  نافذة الشاعرة للإطلالة عليها وهي تستدرجها لمعانقة يدها تقول "
ما أحلى هذه الوردة
التي تستدرج لمستي
وتمد أوراقها
لمعانقة ...يدي "
2) وردة للكتابة والانفتاح الأجناسي
نلمس نزوحا نحو التنويع الأسلوبي من خلال الانفتاح و محاولة اختراق أجناس تعبيرية أخرى فالقصيدة لا تقتصر على الصورة الشعرية ومكونات اللغة بلاغيا بقدر ما تنزع نحو توظيف متماس أحيانا وأخرى يتداخل مع أجناس تعبيرية أخرى كالقصة القصيرة جدا ، الشذرة المليئة بالتأمل والعمق والكثافة بالإضافة إلى التشكيل خصوصا اللوحة التي تضحى منطلقا لتشييد عوالم مدهشة  .
فالقصيدة تتحدد معالمها عند فاطمة بن محمود من خلال المزج بين مكونات فنية وإبداعية متعددة مثلا في قصيدة " في المرسم " ص 51 نلمس هذا الطرح من خلال الارتكاز على اللوحة التي تؤثثها زهرة رسمت للتو وسيبرز تسريع وثيرة الحدث من خلال تدخل عنصر خارجي حي " فراشة "  ستحط على اللوحة ما سيخلف فكرة رسمها وهو أمر سيستحيل  لكن بالتدخل العنيف والمفاجئ ستستحضر ضمن فضاء اللوحة بالقوة كجثة ، تقول الشاعرة "
أراد لأن يرسم فراشة
فانطبعت على اللوحة
جثة
وطارت ..بهجتها " ص 51
إن الإحالة على اللجوء إلى العنف والقتل والحرمان من الحياة لإضفاء حياة زائفة على الأشياء الجامدة يفقد مكونات العملية الإبداعية من كل بريقها وتبرز عنفا واغتصابا يعكس منظور المبدع المزيف نفسه وتفقد أعماله كل مصداقية حقيقية للإبداع.
فالنهل من الفن التشكيلي يدفع القصيدة إلى بلوغ تجريد ورمزية بحيث تضحى للرموز دلالتها البالغة في سياقات القصيدة ومعانيها المتقدة لتعمل على تفجير اللغة بممارسة نوع من الهدم والبناء المتكرر داخل سياقات جديدة للدلالة على أحاسيس من قبيل الحزن مثلا وكيفية تمثله في شعر الآخر وربما تمارس الشاعرة هنا تناصا ضمنيا مع المقروء الذي جاء على شكل صورة تقول "
سماء غريبة
وأنت تحتها
ربابة مقلوعة الأوتار
كم من حزن خلفت
ليذريه غيرك
في ما تبقى من
أشعار" ص 19
فالحفر ضمن ثنايا وطيات المعاني تبرز استيرادا وتوظيفا للغة من خارج السياق التداولي المألوف مثلا في قصيد " نسيان " ص20   نتساءل كيف " تقطب الذاكرة من خلال التذكر ؟ وهي تنحو نحو النسيان ؟ وكيف تخلف هذه العملية جراحا بليغة وفراغا مهولا وصورا عنيفة جدا  ؟
فالكتابة الشعرية عند المبدعة فاطمة بن محمود تعمل على نحث مفاهيم مناسبة
كلما ظلت الحاجة للتعبير ملحة وذات بلاغة ومقصد ، فهي في نص " همسات " ص 37 تذكر المؤنث " القصيدة = القصيد " وبالتالي تؤنسنها وهي تبرز نوعا من المراودة عن النفس  من خلال إبداء  إعجابها به ومتعتها معه تتساءل عن حدود علاقتها به التي تجاوزت خطوطا حمراء تقول "
ما أمتع القصيد
كلما اختلى ..بي
هل يعلم زوجي أن القصيد
يشاركني الفراش ؟" ص 37
وهذا البوح يخفي في طياته الكثير من  التعلق والحب والرغبة التي تحرر الجسد إلى الحدود القصوى خارج نطاق العلاقة الشرعية من خلال مطاردتها له وتمسكها به لأنها بإقرارها تبرز رغبتها الجامحة في الاستمرار مع تيسير كل سبل الوصول إليه لتحقيق نزواتها العابرة تقول "
عندما يراودني القصيد
عن نفسه
هل أرجم..إذا ما
استجبت له ؟ " ص 37
إنه تساؤل ينطوي على إقرار واعتراف ومعرفة ضمنية بالعواقب ويبرز تجاوزا واندفاعا ورعونة وإقرار بالذنب ضمن دائرة المغامرة وألا تراجع.
إنها ذائقة الكتابة باعتبارها هما يوميا وقلقا إبداعيا يتم استحضاره فوق كل الرغبات باعتباره الرغبة الأشد التصاقا بذات الإنسان من هواجسه وحبل وريده
يتم استحضار لحظاتها بشكل رهيب وسنلمس هذا الأمر في نص زخات " ص 39 الذي يمكن اعتباره استمرارا للنص السابق " همسات " من خلال الإعلان عن تتمة حكاية المراودة بحيث تتساءل الشاعرة "
وأحيانا
يطول غياب القصيدة
و لا تطرق بابي
ترى هل قبضوا
عليها بتهمة المراودة ؟" ص 39
وسنلاحظ من خلال التفاصيل الواردة بنفس القصيدة مدى الأثر النفسي لهذا الغياب والتمنع والاحتباس الإبداعي من ترقب وعزلة وغضب وافتراضات وهواجس وظنون وأماني وهي حالات لا تفتأ أن تبرز الجموح الكبير والرغبة الرهيبة في الانسلاخ عن الجسد والسفر في أبعاد  أخرى أو ولوج باحات الحلم وفضاءاته المثالية لتحقيق رغبات دفينة من قبيل التمني تقول "
أحيانا
أشتهي أن أغازل
زوجي
إذا استلذ
كلامي
أهمس ليته كان
زوج جارتي " ص 41
" أحيانا
بأناقة بالغة
أعلق على حبل الغسيل
الثياب
وأغمغم بألم
كم يعذبني أن يتوغل
القصيد في الغياب " ص 42
وتجدر الإشارة إلى أن القصيدة  عند  فاطمة بن محمود تتماس في كتابتها مع الشذرة والقصة القصيرة جدا بحيث يضحى أثرها جليا في بعض النصوص مثل نص " حافة الوحدة " ص 27 بتحول الذات إلى مدينة موحشة غارقة في الظلام الدامس والروح غرفة منعزلة تحدوها فقط رغبة وحيدة في الاستيقاظ من عتمات الحلم وهو ما أبرز نوعا من الكتابة  الارتدادية نحو الداخل  التي تبرز عنفا وجوديا في رمزيته الدالة على الوحشة والانعزال والظلمة داخل متاهات الحلم هذه الصور المتدفقة تعلن من خلالها القصيدة رغبتها في التجاوز نحو أفاق رحبة وأكثر قدرة على منحها روحا جديدة  .
3) الشعر والتحولات السياسية في تونس
وردة للأمل ورود للحياة
لقد تأثر الشعر بالتحولات السياسية في تونس  عما كنا نقرأه قبل الثورة المجيدة، تحول سينعكس إيجابيا على النظرة إلى الواقع والحياة من خلال طرح قضايا عديدة بعيدا عن التلميح والغمز والترميز والإيحاء ، تحرر انعكس على مضامين القصائد التي بدورها أضحت  تشعر القارئ بنوع من الوضوح بعد الابتعاد عن الغموض أو الحذف وسنلمس في هذا الديوان نبرة مخالفة  فنص تأملات بقدر ما يرصد البدايات الأولى للثورة في تونس من خلال تأملات خاصة ترجمتها رغبة جامحة لكنها  تركت بصمات المرحلة شعريا   تقول الشاعرة "
وأنظر إلى صور الحرب
أتأمل عويلا يدق القلب
وأذهب إلى فراشي
أجر جثتي المثقوبة
بالرصاص " ص 21
إن الجرح هنا مجازي نفسي بامتياز جراء مشاهد العنف الدامية والخوف والقلق والترقب التي تخلف رهابا يصعب  التغلب عليه حتى في اللحظات التي تكون  فيها حاجة الذات  ملحة إلى  الراحة  عنف يقترن بالموت الرمزي من خلال جرعات تثقل رحى القلب وتدميه بالجراح  لتترجمها على بياض الورق إبداعا لكنه يظل ملوثا بلوعة وخوف وعدم اطمئنان .تقول الشاعرة "
كل ليلة
أطوي حوار الحرب
ثم أذهب لأنام
داخل كابوس " ص  22 فصور الحرب ستستأثر بنصوص أخرى كنص " أمنية " ص 22 من خلال الحديث عن مخلفاتها المادية واستعباد الإنسان ، ففي الحرب ليس هناك منتصر أو منهزم بل الحرب حسب الشاعرة " لا تستحق ..التمجيد " ص 23
وكأي مبدع عاش  تلك التقلبات  بمواجعها  وتلك التحولات الكبرى على الصعيد الوطني والعربي ستظل الثورة  عاملا للتجديد في الكتابة الشعرية كذلك لما تتركه مخلفاتها من آثار وخدوش نفسية رهيبة فكل انتقال ديمقراطي يحمل في طياتها رواسب قديمة يصعب التخلص منها بسهولة فتنعكس  إبداعيا داخل الصور المتعددة للقصائد لكنها تبرز بنوع من السخرية من خلال الإشارة إلى ما كان سائدا من استبداد سياسي وقمع بوليسي  وحصار يضيق الخناق على الشعب من طرف حاكم مستبد ففي نص  في شرفة الوطن " ص 61 نلمس تصويرا كاريكاتوريا لأحد مجانين الحكم وهو يمجد الموتى  والصامتين من أفراد شعبه تمجيدا يحمل دلالة تتجاوز حدود النص الضامر  الطافح بالمعاناة والقهر تقول الشاعرة "
قال الملك :
ـ المجد..لشعبي العظيم
وأشار إلى:
الصامتين
والموتى "
إن هذا التشييد سيقابله تشييدا آخر بقدر ما يبرز ارتجاجا لفكرة المجد سيعلن عن مرارة الواقع المعاش ضمن صرخة متحجرة في الحلق ونوايا وأماني حبيسة كأصحابها وضحية لمؤامرة الصمت والتواطؤ تقول "
البلاد..فسيحة
والحرية حبيسة
في ..رؤوسنا" ص 61
إنه جواب هامس نابع من جراء الخوف والحسرة ودلالة على سطوة الآلة القمعية وجبروتها .
وبالعودة إلى عنوان القصيدة " شرفة الوطن " تبرز زاوية الالتقاط تراتبية المواقع وبالتالي  الحوار بين " قول " من أعلى الشرفة وامتثال من الأسفل على شكل ردود أفعال ظلت هامسة بل داخلية في " نجواهم"  ولم تتحدد معالمها إلا ضمن السياق ألمفاهيمي للنص همس داخلي أو ربما أقل درجة من الهمس كإحساس فقط.

 وفي ختام هذه الورقة لا بد من الإشارة إلى أن هذا الديوان بانفتاحه وجرأته يساهم في تقديم الوجه الجديد للقصيدة التونسية بعد ثورة الكرامة بتونس بتاريخ 18 ديسمبر  والخروج بالشعر من عزلته وغموضه ورمزيته التي  كانت أحيانا  تستعصي فيه  القصائد  على الفهم  ،  ولنا يقين أن الشعر التونسي الرائد عربيا  ستعرف كتابته تحولات كبرى على مستوى المنظور أو القالب أو التوظيف فالتغني بالحرية والديمقراطية والحقوق المدنية ودولة الحق والقانون والحب والكرامة  ستضحى مواضيعه تنز بالحب و الدفء والعذوبة بعيدا عن الإحساس بالغبن والتمزق والقهر والنبذ  .


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) فاطمة بن محمود الوردة التي لا أسميها شعر مطبعة فن الطباعة الطبعة الأولى تونس 2011
° حميد ركاطة قاص وناقد